ابن عجيبة

47

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ أي : القرآن ملتبسا بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من جنس الكتاب ، أي : مصدقا لما تقدمه من الكتب ، بموافقته لهم في الأخبار والتوحيد ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ أي : شاهدا عليه بالصحة ، أو راقبا عليه من التغيير في المعنى ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إليك وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ منحرفا عما جاءك من الحق إلى ما يشتهونه ، لكل نبي جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ظاهرة يصلح بها الظواهر ، وَمِنْهاجاً أي : طريقا واضحا يسلك منها إلى معرفة الحق ، وهو ما يتعلق بإصلاح السرائر ، واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي : جماعة واحدة متفقة على دين واحد ، وَلكِنْ عدد الشرائع وخالف بينها لِيَبْلُوَكُمْ أي : يختبركم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة ، أيكم ينقاد ويخضع للحق أينما ظهر ، فإن اختلاف الأحوال وتنقلات الأطوار فيه يظهر الإقرار والإنكار ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي : بادروا إلى الانقياد إلى الطاعات واتباع الحق والخضوع لمن جاء به أينما ظهر ، انتهازا للفرصة ، وحيازة لفضل السبق والتقدم ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فيظهر السابقون من المقصرين ، فَيُنَبِّئُكُمْ أي : يخبركم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل ، والمبادر والمقصر ، واختلاف الشرائع إنما هي باعتبار الفروع ، وأما الأصول كالتوحيد والإيمان بالرسل ، والبعث ، وغير ذلك من القواعد الأصولية ، فهي متفقة ؛ قال - عليه الصلاة السّلام - : « نحن أبناء علات ، أمهاتنا شتى وأبونا واحد » « 1 » . يعنى التوحيد . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن نبينا - عليه الصلاة والسّلام - جمع اللّه له ما افترق في غيره ، فذاته الشريفة جمعت المحاسن كلها ظاهرة وباطنة ، وكتابه جمع ما في الكتب كلها فهو شاهد عليها ، وشريعته جمعت الشرائع كلها ، ولذلك كان الولي المحمدي هو أعظم الأولياء . واعلم أن الحق - جل جلاله - جعل لكل عصر تربية مخصوصة بحسب ما يناسب ذلك العصر ، كما جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا بحسب الحكمة ، فمن سلك بالمريدين تربية واحدة ، وأراد أن يسيرهم على تربية المتقدمين ، فهو جاهل بسلوك الطريق ، فلو كان السلوك على نمط واحد ما جدد اللّه الرسل بتجديد الأزمنة والأعصار ، فكل نبي وولى يبعثه اللّه تعالى بخرق عوائد زمانه ، وهي مختلفة جدا ، فتارة يغلب على الناس التحاسد والتباغض ، فيبعث بإصلاح ذات البين والتآلف والتودد وتارة يغلب حب الرياسة والجاه فيربى بالخمول وإسقاط المنزلة ، وتارة يغلب حب الدنيا وجمعها فيربى بالزهد فيها والتجريد والانقطاع إلى اللّه . وهكذا فليقس مالم يقل . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري في ( أحاديث الأنبياء ، باب « واذكر في الكتاب مريم . . » ) ومسلم في ( الفضائل ، باب فضائل عيسى عليه السّلام ) عن أبي هريرة .